العلامة المجلسي
125
بحار الأنوار
يرغبون عن معارضته ( 1 ) . فان قيل : ألستم تقولون إن ما يأتي به محمد من القرآن هو كلام الله وفعله وقلتم إن مقدورات العباد لا تنتقض بها العادة ، وقلتم إن القرآن هو أول كلام تكلم به تعالى ، وليس بحادث في وقت نزوله ، والناقض للعادة لابد وأن يكون هو متجدد الحدوث ، لان الكلام مقدور للعباد ، فما يكون من جنسه لا يكون ناقضا للعادة ، فلا يكون معجزا للعباد . الجواب أن الناقض للعادة هو ظهور القرآن في مثل بلاغته المعجزة ، وذلك يتجدد ، وليس يظهر مثله في العادة سواء جوز أن يكون من قبله أو من قبل ملك يظهر عليه بأمره تعالى أو أوحى الله به إليه ، فإذا علم صدقه في دعواه بظهور مثل هذا الكلام البليغ الذي يعجز عنه المبعوث إليه وجنسه عن مثله ، وعما يقاربه وكان ناقضا للعادة ، فكان معجزا دالا على صدقه ، ولم يضرنا في ذلك أن يكون تعالى تكلم به قبل ، إذ لم يجر تعالى عادته في إظهاره على أحد غيره . وقوله " إنه مركب من جنس مقدور العباد " لا يقدح في كونه ناقضا للعادة ولا في كونه معجزا ، لان الاعجاز فيه هو من جملة البلاغة ، وفيها يقع التفاوت بين البلغاء ، ألا ترى أن الشعراء والخطباء يتفاضلون في بلاغتهم في شعرهم وخطبهم ؟ فصح أن يكون في الكلام ما بلغ حدا في البلاغة ينقض به العادة في بلاغة البلغاء من العباد . ويبين ذلك أن البلاغة في الكلام البليغ لا يحصل بقدرة القادر على إحداث الحروف المركبة ، وإنما يظهر بعلوم المتكلم بالكلام البليغ ، وتلك العلوم لا تحصل للعبد باكتسابه ، وإنما يحصل له من قبل الله ابتداء ، وعند اجتهاد العبد في استعمال ما يحصل عنده ، وتلك العلوم من فعله تعالى ، وقد أجرى الله عادته فيها بمنح العبد من العلوم للبلاغة ، فلا يمنح من ذلك إلا مقدارا يتفاوت فيه
--> ( 1 ) مختار الخرائج ص 267 - 268 ، وما بعده لم يطبع إلى قوله وأما وجه اعجاز القرآن وقد صححه المؤلف العلامة بخط يده في نسخة الأصل وضرب على بعض جملاتها .